مجموعة مؤلفين

174

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

فاختفى في غمرة هذا واجبه كفرد في أسرة ، ومواطن في أمة ، وعضو في مجتمع إنساني . وزاد ابن عربى فاندفع مع غيره من الصوفية إلى الدعوة للفضائل السلبية من مجاهدة للنفس ، ومحاربة لنوازع الحس ، والتزام للزهد والفقر والقناعة والتوكل والصبر والحلم والجوع والتواضع ونحوه ، حتى الإرادة اتخذت معنى سلبيا فأضحت إرادة المجاهدة للتحقق بهذه الفضائل ، والعمل على توقى الرذائل من حقد وغضب وكبر وحسد وادعاء ونحوه ، وبهذا اختفت الدعوة إلى إكبار الفضائل الإيجابية من عمل وشجاعة وإقدام ومغامرة وتقدير للواجب . ومصداقا لهذا نسوق شاهدا من صفات العارف الذي بلغ قمة الحياة الروحية ، فالعارف عند ابن عربى يتسم بأمارات أهمها - فيما يروى نقلا عن الجنيد ومعقبا على ما ينقله « 1 » - أن يكون خائفا ، برما بالبقاء ، أسيرا لجسمه ، يعرف عن الشارع أن في الموت لقاء اللّه فتتنغص عليه الحياة الدنيا شوقا إلى هذا اللقاء ، فيه حياء وحلم ، بطنه جائع وبدنه عار ، لا يأسف على شئ ، تبكى عينه ويضحك قلبه ، وهو كالأرض يطؤها البر والفاجر ، وكالسحاب يظل كل شئ ، وكالمطر يسقى ما يحب وما لا يحب ، بكاؤه على نفسه ، وثناؤه على ربه ، يضيع ماله ، ويقف عل ما للحق ، لا يلحظه الأغيار ، ذو فقر وذلة يورث غنى وعزة ، يرجو ولا يرجى ، رحيم مؤنس ، إمّعة ، طائع بذاته ، قابل أمر ربه . . ثم يضيف ابن عربى إلى ما ينقله عن الجنيد أمارات أخرى للعارف فيقول إنه يتميز مع هذا كله بأن يكون خامل الذكر ، مشفقا على كل عباد اللّه ، بريئا ممن تبرأ منه ، لا يقول كن أدبا مع اللّه ، له عنف على شهوته ، يبذل العطاء دون من ، لا يؤاخذ الجاهل بجهله ، يقضى بين الخصمين بما يرضى الخصمين ، يغضب لغضب اللّه ويرضى برضاه ، يحسن للمسىء وللمحسن ، يرجع إلى اللّه في كل أمر ، يعزف عن الانتقام

--> ( 1 ) الفتوحات المكية 3 : 316 - 18 .